الحيارة بعد كرة القدم
لا شك بان السؤال حول ما يمكن ان يفعله المرء فعله بعد الاعتزال ليس سهلا على الإطلاق لأي شخص، لكن لاعبي كرة القدم يواجهون خيارات مختلفة بعد تعليق نشاطهم مقارنة مع الأخرين، حيث تتبقى امامهم فترة زمنية طويلة عندما يعلنون اعتزالهم. كما هو معروف، فان معظم هؤلاء يقررون الاستمرار في مجال كرة القدم، حيث يصبحون مدربين أو معلقين، لكن البعض الأخر يدير ظهره للعبة تماما ويبحث عن اشياء جديدة.
قرر موقع FIFA.com ان يلقي الضوء على اللاعبين الذين تخلوا تماما عن كرة القدم بعد اعتزالهم، وقرروا ان يسلكوا طريقا مختلفا تماما.
اعتزل الأيقونة الاسترالية كريج جونستون الفائز بكأس أبطال الأندية الأوروبية في صفوف ليفربول والذي كان احد اوائل اللاعبين الأستراليين الذين حققوا نجاحات خارج الديار، عندما كان في السابعة والعشرين من عمره، لكنه بقي على صلة مع كرة القدم لكن بطريقة مبتكرة.
فبعد ان قال له بعض الأطفال الصغار الذين كان يشرف على تدريبهم بانه يجدون صعوبة في تسديد كرات لولبية لدى هطول الأمطار بغزارة، عاد جونستون الى منزله وقام بإستعمال رباط مطاطي ربطه بطاولة كرة الطاولة وعلقَه بحذائه من أجل التحكم بشكل أفضل بالكرة. أصبحت هذه الطريقة المبتكرة نموذجا لما عرف بعد ذلك بحذاء adidas الذي أطلق عليه تسمية predator.
أصبح جونستون بعد نهاية مسيرته مصمما، لكن معظم الماركات الرياضية لم تكترث لما قدمه من نماذج فاقت المئة، قبل ان يطلب مساعدة نادي بايرن ميونيخ وقال في هذا الصدد “طرقت باب مجلس نادي بايرن ميونيخ لدى اجتماع فرانتس بكنباور، كارل هاينتس رومينيجه وبول برايتنر وقلت لهم :عليكم ان تساعدونني، فأنا لاعب كرة قدم مثلكم، الرجاء انتعال هذا الحذاء ولنذهب لركل الكرة في الخارج”.
وبعد ان قام بتصوير شريط يضم الأساطير الثلاثة ويهم يقومون بركل الكرة مع التصميم الجديد، قام بكنباور ورومينيجه بتصوير فيلم وجهوا فيه رسالة صوتية الى المديرين التنفيذيين في شركة adidas. وأضاف جونستون “بثت شركة adidas الشريط على شاشة عملاقة، وكل الذين سخروا مني قبل ستة أشهر، راحوا يصفقون لدى مشاهدته. قمنا بالتوقيع على العقد مباشرة. ما قالوه في ذلك الشريط كان مدهشا، لكني لا زلت أجهل ما قالوه! انه الآن الحذاء الأكثر مبيعا في العالم حاليا.
أما لاعب وسط تشلسي ونيوكاسل سابقا جافين بيكوك، فسلك طريقا مألوفا بعد اعتزاله اللعبة، حيث اصبح معلقا تلفزيونيا، لكنه سرعان ما قرر الإنعطاف بنسبة كبيرة بعد كأس اوروبا 2008، حيث قرر الهجرة الى كندا حيث درس اللاهوت وأصبح كاهنا في الكنيسة.
وكشف بيكوك لاعب كوينز بارك رينجرز سابقا أيضا “خلال دراستي كنت اقرأ الإنجيل حيث تراءى لي بان أحدهم قام بتكبير حجم الكلمات في الصفحات. شعرت فجأة بالدعوة للتبشير. وبعد ذلك بفترة وجيزة، وجدت نفسي أعيش في قرية صغيرة في بلد غريب حيث استيقظ في السابعة صباحا، لأتعلم العبرية في الثامنة، ثم اليونانية القديمة عند العاشرة. وتساءلت في نفسي “ما هو الشيء الذي جعلني ادخل هذا المجال”.
من فائز بكأس العالم الى متعهد
شخص اخر أختار مهن الحياة والموت هو راي ويلسون الفائز بكأس العالم FIFA عام 1966 والذي لا يزال يعتبر حتى الآن أفضل ظهير أيسر في تاريخ المنتخب الإنجليزي والذي اصبح متعهدا الى ان اعتزل المهنة عام 1997.
لم يكن العمل سهلا على الإطلاق حيث كان يدير الأمور بنفسه ويتذكر بقوله “كان جهاز التلفون يدق في بعض الأحيان عند الساعة الثالثة أو الرابعة فجرا. انهض وأغادر المنزل ثم أعود في الخامسة. ثم يعاود جهاز التلفون الرنين مجددا في الخامسة والنصف ويتعين علي النهوض مجددا والخروج”. وأضاف “ممارسة كرة القدم كانت أسهل من تنظيم مراسم دفن. لا شك بأنني كنت أكثر موهبة عندما يتعلق الأمر بكرة القدم”.
وفي وقت خلق جونستون ما هو ملموس في كرة القدم، لحق ديون دبلن مهاجم أستون فيلا وكوفنتري سيتي السابق بغريزة المبادرة لإبتكار آلته الخاصة. بدأ “ديوب”، وهو طبلٌ مكعب متعدّد النبرات، يأخذ شكله مع اقتراب مسيرته من نهايتها.
قال دبلن وهو مدير لفرقة موسيقية وعازف ساكسوفون: “بدأت ببناء نماذج أوّلية قبل سنوات قليلة عندما كنت استمتع بفترتي الثانية مع نوريتش سيتي، كي أرى إذا كنت قادراً على ترجمة أفكاري. أمضيت وقتاً طويلاً لدى الصانعين المحليين فاشتريت الخشب لبناء أوّل “ديوب” ومع الوقت أتقنت الفكرة”.
العودة إلى الضوء
بعد مسيرة ناجحة في كرة القدم، يصعب العودة إلى دائرة الاهتمام بالنسبة للبعض. لكن بعض المعتزلين لا يخشون على مستقبلهم على غرار المهاجم الفرنسي اريك كانتونا ولاعب وسط ويمبلدون فيني جونز اللذين وجدا مكاناً لهما في عالم السينما.
مع أكثر من 100 دور بينهما، لم تقتصر المشاركة فقط على أدوار عادية. جسّدا شخصيات ليست بعيدة كثيرة عن الصورة العامة لمسيرتيهما، إذ لعب كانتونا نسخة فلسفية في “البحث عن أريك” وجونز لاعب الكرة القاسي في “الآلة الدنيئة”.
وجد المهاجم السويدي توماس برولين الوقت ليكون نفسه في موقف مماثل، وذلك بشريط موسيقي إلى جانب نجم التنس بيورن بورج. ظهر في مروحية سيارة ليموزين في شريط مواطنه الدكتور ألبان “أصدقاء في حاجة”، وأضاف المهاجم المشارك في إيطاليا 1990 والولايات المتحدة 1994، نشاطاً جديداً بعد اعتزاله إلى جانب ماركة الأحذية الخاصة به والمكانس الكهربائية.
كلاس إينجيسون زميل آخر لبرولين في كأسي العالم المذكورتين، فقد اتخذ قراراً مختلفاً ليصبح حطّاباً. قال لاعب وسط أيندهوفن ومرسيليا السابق: “لا أعتقد أن هناك مهنة رجولية أكثر من الحطّاب. مع ذلك، فقد أصبحت من الماضي. الآن هناك آلات للقيام بالعمل ولم يعد صعباً. للأسف، المهنة السابقة مفيدة للصحة”.
وبرغم أنه لا يبحث عن دائرة الضوء، إلا ان مسيرته فرضت عليه الظهور مجدداً من خلال تقديم برنامج على التلفزيون السويدي “هوايات خطرة”. نتيجة لذلك سيتعرّف كثيرون على إينجسون مجدداً، لكن الاسكندينافي الآخر هارالد براتباك سيتعرّف عليه مشجعوه من خلال صوته في عمله الجديد.
هذا لأن الدولي النرويجي السابق أصبح يقود الطائرات في عمله الحالي. قال لاعب سلتيك السابق لموقع FIFA.com: “أن تكون قبطان طائرة أصعب بكثير من لعب كرة القدم. تعمل بجهد من الناحية الجسدية كلاعب، لكن أيامك تكون قصيرة. ثم أن تكون قادراً رؤية شروق الشمس والارتفاع فوق الغيوم أمر مميّز”. وتابع: “يمكنني أيضاً التحليق فوق أي مكان في أوروبا، لكن مركزي في تروندهايم والعودة إلى هنا يأخذني فوق ملعبي السابق مع روزنبرج، لذا لا يمكنني التذمر أبداً”.
كرة القدم تقود البعض إلى عالم التشريع والسياسة. حامل الكرة الذهبية أندري شيفتشنكو وأفضل لاعب في العالم FIFA 1995 جورج وياه دخلا عالم السياسة، فيما كان ألبرت جودموندسون أوّل محترف إيسلندي مع رينجرز، أرسنال وميلان، وزيراً للرياضة في بلده كما ترشّح للرئاسة عام 1980.
جودني بيرجسون لاعب إيسلندي آخر دخل معترك المحاماة، فيما أصبح المدافع الهولندي السابق أريان دي زوف محققاً. قال مدافع بورستموث وويجان السابق: “لم أكن أنوي الخلود إلى الراحة بعد الاعتزال. أحبّ تشغيل عقلي قليلاً”. بدلاً من الوقوف في الخط الخلفي في البريميير ليج، أصبح في مقدمة مكافحي الاتجار بالبشر والمخدرات في شوارع مدينته ألكمار.
تذكّر عندما كان يستجوب رجلاً موقوفاً: “قال لي: أنا متأكد أن وجهك مألوف، هل كنت لاعب كرة قدم؟. ساعده ذلك قليلاً في التحقيق، كما تذكّرت بأني لم أعد لاعب كرة بل شرطياً”.
المصدر: FIFA.com




